الشوكاني
453
فتح القدير
إذا تردى : إذا سقط في جهنم ، يقال ردى في البئر وتردى : إذا سقط فيها ، ويقال ما أدرى أين ردى : أي أين ذهب ؟ ( إن علينا للهدى ) هذه الجملة مستأنفة مقررة لما قبلها : أي إن علينا البيان . قال الزجاج : علينا أن نبين طريق الهدى من طريق الضلال . قال قتادة : على الله البيان : بيان حرامه وطاعته ومعصيته . قال الفراء : من سلك الهدى فعلى الله سبيله ، لقوله - وعلى الله قصد السبيل - يقول : من أراد الله فهو على السبيل القاصد . قال الفراء أيضا : المعنى إن علينا للهدى والإضلال ، فحذف الإضلال كقوله - سرابيل تقيكم الحر - وقيل المعنى : إن علينا ثواب هداه الذي هديناه ( وإن لنا للآخرة والأولى ) أي لنا كل ما في الآخرة ، وكل ما في الدنيا نتصرف به كيف نشاء ، فمن أرادهما أو إحداهما فليطلب ذلك منا ، وقيل المعنى : إن لنا ثواب الآخرة وثواب الدنيا ( فأنذرتكم نارا تلظى ) أي حذرتكم وخوفتكم نارا تتوقد وتتوهج ، وأصله تتلظى فحذفت إحدى التاءين تخفيفا . وقرأ على الأصل عبيد بن عمير ويحيى بن يعمر وطلحة بن مصرف ( لا يصلاها إلا الأشقى ) أي يصلاها صليا لازما على جهة الخلود إلا الأشقى وهو الكافر ، وإن صليها غيره من العصاة فليس صليه كصليه ، والمراد بقوله يصلاها : يدخلها أو يجد صلاها ، وهو حرها . ثم وصف الأشقى فقال ( الذي كذب وتولى ) أي كذب بالحق الذي جاءت به الرسل وأعرض عن الطاعة والإيمان . قال الفراء ( إلا الأشقى ) إلا من كان شقيا في علم الله جل ثناؤه . قال أيضا : لم يكن كذب برد ظاهر ، ولكن قصر عما أمر به من الطاعة فجعل تكذيبا كما تقول لقى فلان العدو فكذب : إذا نكل ورجع عن اتباعه . قال الزجاج : هذه الآية هي التي من أجلها قال أهل الإرجاء بالإرجاء ، فزعموا أنه لا يدخل النار إلا كافر ، ولأهل النار منازل ، فمنها أن المنافقين في الدرك الأسفل من النار . والله سبحانه كل ما وعد عليه بجنس من العذاب ، فجدير أن يعذب به ، وقد قال - إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء - فلو كان كل من لم يشرك لم يعذب لم يكن في قوله - ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء - فائدة . وقال في الكشاف : الآية واردة في الموازنة بين حالتي عظيم من المشركين وعظيم من المؤمنين ، فأريد أن يبالغ في صفتيهما المتناقضتين ، فقيل الأشقى ، وجعل مختصا بالصلى كأن النار لم تخلق إلا ، وقيل الأتقى وجعل مختصا بالنجاة كأن الجنة لم تخلق إلا له ، وقيل المراد بالأشقى أبو جهل أو أمية بن خلف ، وبالأتقى أبو بكر الصديق ، ومعنى ( سيجنبها الأتقى ) سيباعد عنها المتقى للكفر اتقاء بالغا . قال الواحدي : الأتقى أبو بكر الصديق في قول جميع المفسرين انتهى ، والأولى حمل الأشقى والأتقى على كل متصف بالصفتين المذكورتين ، ويكون المعنى أنه لا يصلاها صليا تاما لازما إلا الكامل في الشقاء وهو الكافر ، ولا يجنبها ويبعد عنها تبعيدا كاملا بحيث لا يحوم حولها فضلا عن أن يدخلها إلا الكامل في التقوى ، فلا ينافي هذا دخول بعض العصاة من المسلمين النار دخولا غير لازم ، ولا تبعيد بعض من لم يكن كامل التقوى عن النار تبعيدا غير بالغ مبلغ تبعيد الكامل في التقوى عنها . والحاصل أن من تمسك من المرجئة بقوله ( لا يصلاها إلا الأشقى ) زاعما أن الأشقى الكافر ، لأنه الذي كذب وتولى ولم يقع التكذيب من عصاة المسلمين فيقال له : فما تقول في قوله ( وسيجنبها الأتقى ) فإنه يدل على أنه لا يجنب النار إلا الكامل في التقوى ، فمن لم يكن كاملا فيها كعصاة المسلمين لم يكن ممن يجنب النار ، فإن أولت الأتقى بوجه من وجوه التأويل لزمك مثله في الأشقى فخذ إليك هذه مع تلك ، وكن كما قال الشاعر : على أنني راض بأن أحمل الهوى * وأخرج منه لاعلى ولاليه وقيل أراد بالأشقى والأتقى الشقي والتقي ، كما قال طرفة بن العبد : تمنى رجال أن أموت وإن أمت * فتلك سبيل لست فيها بأوحد